القائمة الرئيسية

الصفحات

بيداغوجيا الكفايات

ظهرت المقاربةُ بالكفايات في التعليم التقني والمهني لبعض الدول المتقدمة في نهاية السبعينيات من القرن العشرين، وانتقلت تدريجيًّا إلى التعليم الأساسي، ثم إلى باقي الأسلاك التعليمية.

اعتمدت العديدُ من الدول السائرة في طريق النمو هذه المقاربةَ في إطار سياسات إصلاح منظوماتها التربوية منذ بداية هذا القرن[1]؛ لذا "يمكن رؤية الكفاية كموجةٍ عارمة ذات مغزى لكون المدرسة في نهاية القرن العشرين بحثت عن رهانات جوهرية"[2]، نجد في الأدبيات التي تناولت المقاربة بالكفايات تعدُّدًا لمعاني "الكفاية"، وفي هذا الصدد يقول "فيليب بيرينو" (Perrenoud): "... لا أحد يُنكِر أنه لا يوجد تعريفٌ توافقي لمفهوم الكفاية، البعض يرى أن هذا التوافق غير ضروري، والبعض الآخر يرى أن التمييز بين الكفاية والقدرة واهٍ، ويختلف من مؤلف لآخر..."[3].

1- المقاربة بالكفايات: تطور النماذج البيداغوجية في المغرب.

2- المقاربة بالكفايات: من النموذج التقليدي إلى النماذج الحديثة:

النماذج البيداغوجية

النموذج التقليدي

النماذج الحديثة

التدريس بالأهداف

المقاربة بالكفايات

المرحلة التاريخية

ساد من الاستقلال 1956 إلى حدود السبعينيات

من الثمانينيات إلى صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين

ابتداءً من التسعينيات

خصائصها ومرتكزاتها في النظام المغربي

الأسبقية للمعرفة في شكلها العام، وما يرتبط بها من تغليب المحتويات المعرفية على حساب المهارات، ناهيك عن شخصية المتعلم... إلى درجة أن التربية - هنا - تغدو مرادفةً للتعليم الذهني؛ (الدريج محمد، تحليل العملية التعليمية وتكوين المدرسين: أسس ونماذج وتطبيقات، سلسلة المعرفة للجميع، الرباط، ص71 - 72)

هيمن هاجس بيداغوجيا الأهداف مع "بيداغوجيا التحكم"؛ حيث نظر مؤسس هذا النموذج (بلومBloom 1975) لتعليم قائم على "معايير التحكم"، ينظمه تقويم تكويني ينتهي إلى معالجات، وقد توَّج هذا العمل باقتراحِ أول صنافات للأهداف البيداغوجية (Philipe perrenoud,2008, Dix nouvelles compétences pour enseigner, Esf, éd 6، p29 )

انفتحت المنظومة التربوية المغربية على المقاربة بالكفايات في التسعينيات أثناء الإقدام على مراجعة البرامج، ووضع دفاتر التحمُّلات، وخوض تجربة الكتاب المدرسي المتعدِّد منذ 2004.

غير أن إنماء الكفايات اصطدم بتعدُّد المرجعيات والترجمات، وغياب تصور مرجعي موحد... خاصة وأن المحتوى المدرسي لا يتخذ سمةَ الملاءمة والوظيفية للتعلمات؛ مما جعل التجديد في المناهج الدراسية تراوح مكانها!

التقويم

قياس مدى تمكن المتعلم من المعارف الموسوعية (الأسئلة المطروحة مثل حلِّل وناقش)

التقويم بمختلف أنواعه نظري

يركز على التقويم التكويني ويتسم بالتنوع (الجغرافيا مثلاً).




3- مفهوم الكفاية.. وتعريفات التربويين والديداكتيكيين:

ما أن دخل واقتحم مفهومُ الكفايات حقلَ التربية، حتى حاول كل باحث أن يدلي بدلوه في هذا الباب، وههنا نُورِد بعضها:

• تعريف "لوبترف" (Le boterf G) الكفاية بكونها القدرة على التحويل، فالكفاية لا يمكن أن تقتصر على تنفيذ مهمة وحيدة ومتكررة بالنسبة للمعتاد، إنها تفترضُ القدرةَ على التعلم والتفوق، كما أنها تلائم لحل قسمٍ من المشاكل أو لمواجهة فئة من الوضعيات، وليس فقط مشكل معين ووضعية بعينها، فالكفاءة هي "... القدرة على تكييف التصرف مع الوضعية، ومواجهة الصعوبات غير المنتظرة، وكذلك قدرة الحفاظ على الموارد الذاتية للاستفادة منها أكثر ما يمكن، دون هدر للمجهود، إنها القدرة والاستعداد التلقائي بخلاف ما يقابل ذلك من تكرار بالنسبة للآخرين"؛ (p22، 1995).

• تعريف "دوكتيل" (De Ketele 1996) ليحدد أن هذه المشاكل أو الوضعيات ينبغي أن تكون من نفس "الصنف"؛ حيث تسمحُ بضبط الكفاية في مجموعة منظَّمة ومرتَّبة من الأنشطة، تطبَّق على محتويات في فئة من الوضعيات لحل بعض المسائل التي تطرحها هذه الفئة".

• ويأتي تعريف "دوكتيل" و"رويجيرز" (De Ketele et Roegiers.2000) كترتيب لمزايا هذه التعاريف كلها؛ بحيث يؤكد على أن الكفاية هي إمكانية تعبئة - بكيفية باطنية - لمجموعة مندمجة من الموارد، بهدف حل صنف من وضعيات - مسالة.

4- التأثيث الأبستمولوجي لمنظومة المفاهيم المرتبطة بالكفايات:

غالبًا ما يتم الخلط بين مفهوم الكفاية وبعض المفاهيم القريبة منها، وبالخصوص المهارة والأداء والاستعداد والقدرة، ولإزالة اللبس الحاصل بين هذه المفاهيم ومفهوم الكفاية؛ سنقوم بمحاولة تحديد هذه المفاهيم قبل تحديد المفهوم المفتاح في هذا العمل (الكفايات)، علمًا أنه حسب ما وصلت إليه نتائج الدراسات في علوم التربية، فإن الحدود تبقى غير نهائية[4]:

• المهارة: هي مجموعة من الأداءات والإنجازات التي تساهم في تجلِّي القدرة، وهي الأداء المُتقَن القائم على الفهم[5].

• القدرة (la capacité):

- القدرة نشاط فكري ذهني، وهي الحالة التي يكون الفرد فيها متمكنًا من النجاح في إنجاز معيِّن؛ كالقدرة على التحليل والتركيب والمقارنة والتأليف... ونذكر مثلاً: التحليل (تحليل نص جغرافي - تحليل نص أدبي - تحليل نص تاريخي...)، التفسير (تفسير سوء توزيع المواد الاقتصادية - تفسير دور البعد التاريخي في تركز السكاني...).

جدول رقم3: خصوصيات القدرات والكفايات حسب التوجيهات التربوية الرسمية:


مقاربة

القدرات

الكفايات

الخصوصيات

المجال

تتعلق بكل المواد

خاصة بمادة واحدة

مستوى الهدف

هدف عام

هدف نهائي

مستوى التحكم

نسبي (تنمَّى مدى الحياة)

مطلق

القابلية للملاحظة والتقويم

غير قابلة

قابلة


5- التيارات الفكرية لبيداغوجيا الكفايات:

يرى "فيليب جونايير" أن تصوُّرات علوم التربية للكفاية تتوزَّع إلى تيارين؛ أحدهما أنجلوسكسوني، والآخر فرانكفوني، إلا أن واقع الكفايات بشكلها النسقي الحالي قد ظهرت أولاً في الدول الأنجلوسكسونية، وانتشرت بعد ذلك في الدول الفرانكفونية:

أ- التيار الأنجلوسكسوني:

هو تيار قد سبق وطوَّر نظريته الخاصة منذ أمد طويل حول مفهوم الكفاية، فلقد لاحظ Hamilton "هاملتون"(1973) بأن إدخال مفهوم الكفاية في البرامج الدراسية في الولايات المتحدة الأمريكية يعود إلى سنواتِ الستينيات من القرن العشرين، وفي هذه الفترة، فإن التدريس والتكوين المدرسينِ على الخصوص كانا متعرِّضينِ لنقذٍ لاذع؛ حيث كان مطلوبًا أن تصاغ البرامج الدراسية بطريقة تكون فيها الكفايات دقيقة وواضحة في سلوكيات وأفعال محددة، ففي بداية الأمر كان التركيزُ منصبًّا حول السلوكيات بكل أبعادِها (المعرفية والوجدانية والحس حركية)، كان "هيلبر" اعتبر هذه الكفايات عبارةً عن سلوكات روتينية بسبب تضخم الأهداف - الكفايات، التي بلغت في بعض الأحيان ألف كفاية، على التلميذ أن يتحكم فيها، كما أن برنامج تكوين المدرسين والمدرسات بالنسبة للعديد من المؤسسات تتحدد في شكل كفايات متوقعة، والتي هي بدورها عبارةٌ عن سلوكات ما يعبر عنه بصيغة غايات ومَرامٍ وأهداف، أو المراد تحقيقها عند نهاية الفعل التربوي، سواء كان بعيد المدى (سنة/ مسلك)، أو قريب المدى (درس، مجموعة دروس).

وضمن هذه المدرسة/ التيار، يمكن الحديث عن تيارين آخرين:

• التيار الأول: يعتمد بدورِه على كفايات ليست بالضرورة معرفية؛ حيث صنَّف هذا التيار الكفايات وَفْقَ خمس مقولات: المعرفية، الوجدانية، تحفيزية، تطبيقية، والاستكشافية.

فـ"هوستون" يعرِّف الكفاية بأنها: "مجموعة من المعارف والمعلومات والاتجاهات التي تشتق من مهام الفرد المتعددة في عمله".

وما يلاحظ على هذه الكفايات أنها وصفية معيارية، عند مقارنتها بالمقاربة السلوكية، وبالتالي فإن هذه الكفايات ولوائحها الطويلة خارجة عن السياق ومحددة دائمًا بشكل مسبق.

• والتيار الثاني: يطرح سؤالاً حول تحديد الكفايات الملائمة أو التي يجب على التلميذِ أن يكتسبَها ضمن تكوين سليم؛ إذ كيف يمكنُ التأكُّد من أن كفايةً ما تُعد مهمة، ويجب أن توجد داخل الوضعيات التي ينبغي على التلميذ تعلُّمُها، بالإضافة إلى هذا ليس فقط من الأولويات دراسة الوضعيات، بل أيضًا الخبراء أو المدرِّسون الذين يعالجون بنجاحٍ هذه الوضعيات التعليمية المنشودة؛ حيث ظهرت إستراتيجية المدرِّس المبني على الكفاية Competency based teacher education في الجامعات الأمريكية، بعد ذلك لتعمَّ مؤسسات تكوين المدرسين في الكثير من أقطار المعمورة، وقد جاءت هذه الطريقة كردِّ فعل على أساليب التكوين التقليدية التي ترتكز على تزويد المدرسين بمعلومات ومعارف نظرية في مواد التخصص وعلوم التربية، دون كبير اهتمامٍ بالجانب العملي التطبيقي، وقد ساهم في بروزِ وتطور هذه الإستراتيجية الاهتمامُ المتزايد للمجتمع الأمريكي خاصة، والمجتمعات الغربية المعاصرة عامة، بتطبيق مبدأ المسؤولية في الميدان التربوي، وينص هذا المبدأ على أن المصير الدراسي للتلميذ من النجاح أو الفشل يرجع إلى النظام التعليمي، وأن المدرسين يتحمَّلون المسؤولية الكاملة عن نتائج تعليمهم، أمام التلاميذ وأولياء أمورهم، وأمام المجتمع بشكل عام، ومن هنا يحق لهذه الأطراف محاسبتهم عن هذه النتائج، ومساءلتهم عن كفاءتهم المهنية وفعالية أساليبهم التعليمية، ومطالبتهم بالرفع من مردودية أدائهم، وتجويد نتائج عملهم.

ب- التيار الفرانكفوني:

يرى أن مفهوم الكفاية في علوم التربية حسب هذا التيار الذي استقل بذاته وابتعد عن مرجعية الآراء النظرية لتيارات الولايات المتحدة الأمريكية نتيجةَ مقاربات العديد من الباحثين (perrenoud (merieu, pallascio، يميز بوضوح بين مصطلحي الكفاية والإنجاز، متأثرًا في ذلك بالتميز الحاصل بين ما يجب أن نكتسبه أو المعارف (كفاية)، وما يجب أن نفعله أو تطبيقات (إنجاز)، ورغم تفرده في استعمال مفاهيم مغايرة تمامًا لمفهوم الكفاية فإنه - وقبل التطرق إلى أهم المحاور الأساسية للتيار الفرانكفوني - لا بد من الإشارة إلى أن هناك العديد من العَلاقات والتأثيرات المختلفة للمقاربات اللسانية السيكولوجية المعرفية التي طبعت هذا المفهوم، وكان لها دورٌ كبير في تبنِّي وصياغة الكفايات وحصرها في علوم التربية فقط[6].

6- مفهوم الكفايات.. والتيارات التربوية:

توصلت الباحثة في ديداكتيك التاريخ الباحثة "خديجة واهمي" إلى وجود تيارين أساسيين[7]:

• الأول: التيار الحصري (exclusif):

ويمثِّله كل الباحثين والتربويين الذين يرون أن المقاربة بالكفايات تمثل قطيعة مع المقاربة بالأهداف، ويرون أنها تنبني على البنائية والسوسيوبنائية؛ إذ يرى "لوبوطيرف" (le boterf) مثلاً أن الكفاية هي معرفة التصرف (savoir agir)؛ بمعنى معرفة إدماج وتعبئة وتحويل مجموعة من الموارد (معارف، علوم، قابلية، استدلالات...) في سياق معين، سواء لمواجهة مختلف المشكلات التي تتم مصادفتها أو لتحقيق مهمة.

ويرى"جونائرت" (Jonnaert) والمجموعة أن الكفاية هي "أن يستخدم شخص في وضعيةٍ ما، وفي سياقٍ محدد - مجموعةً متنوعة ومتناسقة من الموارد، استخدامًا ينبني على تعبئة واختيار وتنظيم هذه الموارد، وعلى عمليات ملائمة تمكِّن من معالجة ناجحة لهذه الوضعية".

• ثانيًا التيار المتضمن (Inclusif):

يمثِّله الباحثون والتربويون الذين يرون أن المقاربة بالكفايات تمثل امتدادًا للمقاربة بالأهداف، وأنها تنبني على عدة نظريات من بينها "السلوكية"، نجد هذا التيار في بعض المناطق من أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية.

ظهر هذا التوجه الذي عُرِف في البداية بـ"المقاربة بالكفايات الأساسية" في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي من خلال أعمال "دو كيتيل" De Ketele الذي حدَّد فيها مفهوم "الهدف النهائي للإدماج"، وقد تمثَّل مجموع كفايات خلال سنة واحدة.

ويعرِّف (Rogiers.X) مدير "بياف" الكفاية كالتالي: "الكفاية هي إمكانية شخص ما تعبئة مجموعة مندمجة من الموارد من أجل حلِّ وضعية - مشكلة تنتمي إلى فصيلة وضعيات معينة".

وختامًا، يمكن أن هذه البيداغوجيا الحديثة، المتمثِّلة في المقاربة بالكفايات، اقتحمت المنظومة التربوية في الوطن العربي، خاصة المغاربي، لكنها ما يزال يكتنفُها الغموضُ على مستوى التنزيل الديداكتيكي!!

[1] خديجة واهمي، ماي 2010، المقاربة بالكفايات: مدخل لبناء المناهج التعليمية، مجلة دفاتر التربية والتكوين، العدد 2، ص22.

[2] Romainville, Marc, les implications didactiques de l’approche par compétences, Enjeux, 2001, p51

[3] Perrenoud,Ph., 2000, l’école saisie par compétence, in Boman, C.Gerard,F –M et Rogiers ,X ?, Quel avenir pour les compétences ? Bruxelles, De Boek, pp.21-41

[4] وزارة التربية الوطنية والشباب، الكتابة العامة، مديرية المناهج، محمد بلكبير وآخرون، بيداغوجية الكفايات مصوغة تكوينية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، دليل المقاربة بالكفايات، المرجع السابق.

[5] Dictionnaire encyclopédique de l’éducation et de la formation, Ed.NATHAN, 1981,P 181

[6] مشطر حسين، يونيو 2010، الخلفية النظرية لبيداغوجيا الكفايات، مجلة دراسات نفسية وتربوية، العدد 4، ص14 و15.

[7] خديجة واهمي، نفس المرجع، ص 22 - 23

تعليقات